|
|
القـــــــــرآن والعلم الحديث تقديم 1 2 3 4 5 6 7 8(4)في الأرض وعلوم الحياةنعود الآن إلى "كوكبنا" الأرض لنتأمل هذه الآية من سورة الزمر ! يقول الله سبحانه وتعالى : )أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُه( [ الزمر : 21 ] إلام تشير هذه الآية : تشير هذه الآية إلى "دورة المياه الجوفية" كما يعرفها القارئ المثقف في القرن العشرين الميلادي ؛ ولكننا يجب ألا ننسى أن البشرية لم تعرف شيئًا عن طبيعة "دورة المياه الجوفية" قبل اكتشافها على يد "برنارد بليسي" في القرن السادس عشر، لتحل محل النظريات البالية من عهد "أفلاطون" التي تفترض : أن الرياح تدفع المياه إلى باطن القارات لتعود إلى المحيطات من جديد خلال "الأخدود" الكبير الذي كان يطلق عليه أيضًا "البرزخ" . ديكارت يردد نظرية أرسطو : بل إن مفكرًا مرموقًا مثل "ديكارت" في القرن السابع عشر (وغيره من المفكرين حتى القرن التاسع عشر) ما فتئ يردد نظرية "أرسطو" التي تفترض أن المياه تتكثف في مغارات باردة داخل الجبال ، ثم تتجمع في بحيرات جوفية تنطلق منها العيون ! علم الهيدرولوجيا الحديث ودورة المياه : وقد أثبت علم الهيدرولوجيا الحيث : أن دورة المياه الجوفية إنما تتم خلال عمليات تشرب التربة المسامية بالمياه ، ثم تتسرب منها إلى باطن الأرض ، وهو ما ينطبق تمامًا على التعبير القرآنى )فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ( [ الزمر : 21] . كيفية تكون الجبال : يفسر لنا علم الجيولوجيا كيفية تكون الجبال بفضل ظاهرة "الطيّ" ؛ حيث تبرز الجبال إلى الخارج لتمتص الإجهادات الناشئة عن اختلاف القشرة الأرضية (الصلبة) عن السائل (المنصهر) الذي لا يصلح لحياة حيوان أو نبات . ومن هنا تتوازن القشرة مع القلب ، وتستقر الجبال في مواضعها بفضل "الطيات" التي تمتد كأساسات عميقة داخل الأرض .
ولنقارن هذه المفاهيم بالعديد من آيات القرآن التي تتحدث عن الجبال(23)؛
مثل هذه الآية من "سورة النبأ" التي يقول الله فيها :
)أَلَمْ
نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا(
[ النبأ : 6 - 7] .
في كل الأمثلة السابقة نماذج للتطابق بين النص القرآني ، وبين دقائق العلم الحديث دون أدنى تباين أو اختلاف ! ولكن أكثر ما هزني – منذ بدأت هذه الدراسة – هو تلك الآيات المتعلقة بعلوم الحياة ، سواء : المملكة الحيوانية ، أو النباتية ، خاصة تلك المتعلقة بالتكاثر ! وأؤكد ثانية أن العديد مما جاء بتلك الآيات لم يكن إطلاقًا في متناول الفهم، أو التفسير المراد ؛ قبل التقدم العلمي الحديث . كما أن كثيرًا مما فهم الأقدمون شيئًا عنه جاء العلم الحديث ليسلط الضوء على مناحي أخرى تؤكد صدق الآيات القرآنية ، ويتضح ذلك تمامًا في شطر آية الأنبياء التي يقول الله فيها :
)
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون(
[ الأنبياء : 30] (24) .
فهذه الآية الكريمة تؤكد المفهوم الحديث الذي يقول : إن الحياة قد نشأت – بشكل ما – في وسط مائيّ(25).
ومن ناحية أخرى لم تصل معارف البشر على عهد محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى الحد الذي يؤكد ما أصبح قاعدة في علم النبات: "أن كل النباتات لها أعضاء تذكير، وأعضاء تأنيث!" بينما تقرأ في ســورة طـه : )وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى( [ طه : 53] وقد ثبت لدينا الآن : أن كل الثمار تنشأ عن نباتات لها خصائص جنسية زوجية (حتى في حالة الموز الذي ينمو من زهرة غير ملقحة). ولنقرأ أيضًا في سورة الرعد : )وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْن( [ الرعد : 3] (26).
عالم الحيوان : أما عالم الحيوان فيتشابه كثيرًا مع الطب البشرى ، ولنستعرض أولاً نموذجًا للدقة العلمية لآيات القرآن التي تتناول جانبًا من "فسيولوجيا" تكوين الألبان في ضروع المواشي ؛ ففي سورة النحل نقرأ : )وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِين( [ النحل : 66] . آية لها شأنها : ولهذه الآية في نظري شأن كبير ؛ فقد نزلت قبل اكتشاف الدورة الدموية بألف عام على الأقل ، وكذلك قبل ثلاثة عشر قرنًا من اكتشاف "عمليات التمثيل الغذائي" في الأمعاء التي تمتص جدرها نواتج الهضم لتنقلها إلى سائر الأعضاء . نزلت هذه الآية لتتحدث بدقة تامة عن تكوين اللبن في الضروع بما يتفق مع النظريات الحديثة ! ومن العسير تمامًا أن نفهم الآية حق فهمها دون إلمام بالتفاعلات الكيميائية داخل الأمعاء ؛ والتي يعقبها امتصاص المواد النافعة بالغذاء المهضوم إلى الأوعية الدموية، بنظام معقد محكم يمر بعضه بالكبد ، ثم ينقل الدم هذه المواد إلى الأعضاء – كل فيما يخصه – بما فيها الغدد اللبنية بالضروع ، أي أن العملية تتلخص باختصار شديد في انتقال مكونات معينة من أمعاء الأنعام إلى الأوعية الدموية (بجدر الأمعاء)، ومنها إلى مجرى الدم ، ثم إلى الضروع ، وهو ما يتفق تمامًا مع نص الآية الكريمة !
|